فصل: باب: صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: صيام التطوع:

2350- لا يلزم صوم التطوع بالشروع عندنا، وكذلك الصلاة، وللشارع فيهما قطعُهما، ثم لا يلزم القضاء. وكان شيخي يقول: الإفطار بالعذر مسوّغ، ومن جملة المعاذير في ذلك أن يعز على من أضافه امتناعُه عن الطعام، فإن لم يكن عذر، فهل يكره قطع الصوم، والصلاة؟ فعلى وجهين كان يذكرهما، ولا بُعد في ذكرهما مع الخلاف في تحريم القطع.

.باب: النهي عن الوصال:

2351- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل في العشر الأخير، فواصل عمرُ وغيرُه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "وددت لو مُدّ لي الشهر مدّاً، ليدع المتعمقون تعمُّقَهم، يقوى أحدكم على ما أقوى عليه؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني".
وغرض الباب أن الوصال كان قُربة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرّم على أمته، والوصال يزول بقطرةٍ يتعاطاها كلَّ ليلة، ولا يكفي اعتقادُه أن من جَنَّ عليه الليلُ، فقد أفطر.

.باب: صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء:

2352- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوم يوم عرفة كفارةُ السنة والسنة التي تليها، وصوم يوم عاشوراء كفارةُ السنة». فقوله السنة التي تليها يحتمل معنيين:
أحدهما: السنة التي قبلها، فيكون إخباراً أنه كفارةُ سنتين ماضيتين، ولا يمتنع حملُها على السنة المستقبلة، وكل ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمولٌ على الصغائر، دون الموبقات.
وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم التاسوعاء، والعاشوراء، فيحتمل أنه لم يؤثر إفرادَ يومٍ بالصوم، ويحتمل أنه احتاط لمصادفة العاشر.
ثم لا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم صائماً فيه في حجة الوداع، وتبين ذلك لأصحابه، بتناوله لبناً في قدحٍ وقتَ العصر، ومناولته سَوْدة أم الفضل بنت الحارث، ولعل السبب فيه أن لا يعجز عن الدعاء عشية عرفة، فلا يَعدِلُه فيما نظن دعاءٌ وذكرٌ في غيره.

.باب: الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها:

2353- أما العيدان، فلا يقبلان الصومَ، ويلغوا نذر صومهما.
2354- فأما أيام التشريق، فالمنصوص عليه في الجديد أنها لا تقبل صوماً؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: «إنها أيام أكل وشرب وبِعَال».
وقال في القديم: للمتمتع أن يوقع فيها صيامَ الأيام الثلاثة الثابتة في كفارة التمتع.
ثم اختلف أصحابنا في التفريع على القديم، فقال بعضهم: إنها لا تقبل غير صوم التمتع، لضرورةٍ تخصه، وقال آخرون: إنها كيوم الشك، على ما نصف حكمَه.
2355- أما يوم الشك، فقد سبق تصويره، واعتماد صومه من غير سبب منهيٌ عنه، وفي صحته وجهان، كالوجهين في إيقاع الصلوات التي لا أسباب لها في الأوقات المكروهة، ونَذْر صومه يخرج على ذلك، فإن لم نصحح فيه صوماً بلا سبب، لغا نذْر صومه، وإن صححنا صومه مع الكراهية، صح النذر.
وذكر القاضي حسين مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد، منزلة يومِ الشك. وما نراه قاله عن عَقْدٍ، وإنما ذكره في تقدير كلامٍ تقديراً، لا تحقيقاً. وأصل المذهب لا يُزال بمثل هذا.
ولو أوقع في يوم الشك قضاءً، أو صوماً منذوراً، أو صادف وِرداً له، فلا بأس، ولا كراهية.
ولو أراد أن يصوم شعبان كله، فصام يومَ الشك على قصدِ استكمال شعبان، فلا بأس أيضاًً، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله " والله أعلم.

.باب: الجود والإفضال في شهر رمضان:

2356- قال ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الخلق، فإذا دخل شهر رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة " معناه في العموم، أو في التسرع. وبالجملة شهر رمضان شهر البركات، والبدار إلى الخيرات، والحسناتُ فيه مضاعفة، فليبتدرها الموفقون. والله وليّ التوفيق.

.باب: الاعتكاف وليلة القدر:

2357- صدّر الشافعي كتابَ الاعتكاف بالقول في ليلة القدر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتمسها في العشر الأواخر، ويعتكف فيها ليلاً، ونهاراً.
واختلف العلماءُ: هل كانت ليلة القدر في الأمم؟ والمختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمة؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس لأْمَتَه، وقاتل في سبيل الله ألف شهر، لا ينزِعها، فاستعظمت الصحابة، ذلك وتمنَّوْا أن يكون لهم مثلُ هذا العمر، وهذه القوة؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] إلى قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، فدل هذا على تخصيص هذه الأمة بها.
2358- ثم اختلف الناس في وقتها: فذهب بعضُهم إلى أنها في السنة، وعندنا أنها في الشهر، ومذهب أبي حنيفة أنها في الشهر، لا يختص بها عشر، وذهب الشافعي إلى أنها في العشر الأخير، وميله إلى أنها ليلةُ الحادي والعشرين، وفيه الحديث الصحيح، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت هذه الليلةَ، فخرجت لأخبركم، فتلاحا فلانٌ وفلان، فأُنسيتها، ولعله خيرٌ لكم، ورأيتني أسجد في صبيحتها إلى ماءٍ وطين» قال راوي الحديث، أبو سعيد الخدري:
«أبصرت عيناي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثرُ الماء والطين، في صبيحة إحدى عشرين».
وفي الحديث: «إن المسجد كان على عريش، وأمطرت السماء فوكف».
وقال الشافعي-رحمه الله- في بعض المواضع: هي ليلةُ الحادي والعشرين، أو ليلةُ الثالث والعشرين.
وذهب طوائفُ من الناس إلى أنها ليلةُ السابع والعشرين، وإليها صَغْوُ الناس، وهو مذهب ابن عباس. وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "اطلبوها في العشر الأواخر، واطلبوها في كل وتر " وروي أنه قال: "اطلبوها لتسع بقين، أو لخمسٍ بقين، أو لثلاثٍ بقين، أو الليلةَ الأخيرة".
وذهب بعض العلماء إلى أنها رُفعت، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبعد المذاهب.
2359- فإن قيل: فعلى ماذا التعويل؟ وما المعتبر في هذا؟ قلنا: للشافعي مذهبان:
أحدهما: في انحصار ليلة القدر في العشر الأخير، والآخر: تعيينه الحاديَ والعشرين، والثالثَ والعشرين.
وبين مذهبيه فرقٌ، تبينه مسألة، وهي الكاشفة لغائلة الفصل.
قال الشافعي: لو قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق حتى ينفضي العشر، ولو انقضت، طُلّقت، ولا نحكم بوقوع الطلاق بانقضاء الحادي والعشرين، ولا بانقضاء الثالثة والعشرين؛ فمذهبه ثابتٌ في أنها في العَشر، وهو على تردد في التعيين من العشر، والحديث الذي يتكرر في متن كل مروي قوله: "التمسوها في العشر الأخير " وفي الحديث تأكيدُ الأمر بالألتماس في الأوتار، من غير إغفال الأشفاع.
فإن قيل: الانحصار في العشر مقطوعٌ به؟ قلنا: لا، ولكنه مذهبٌ ثابت، والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة.
وذكر صاحب التقريب في كتابه تردداً، في أنه يجوز أن تكون في النصف الأخير من رمضان. وهذا متروك عليه، ولا نعرف له متعلَّقاً.
وفي العلماء من قال: إنها تنتقل.
هذا نجاز القول في ذلك.
2360- ثم حق من يتأسّى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المعتكَف قبل غروب الشمس يومَ العشرين، حتى تغرب عليه الشمس، وهو في معتكفه، ثم يستمر إلى استهلال هلال شوال، ولو أحيا ليلةَ العيد، تعرّض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا ليلتي العيد، لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب».
والاعتكاف كان في الشرائع المتقدمة، قال الله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]. وعن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف، فيدني إليّ رأسَه، فأرَجِّله".
فصل:
قال: "والاعتكاف سنة حسنة، ويجوز بغير صوم... إلى آخره".
2361- المنصوص عليه للشافعي في الجديد أن الاعتكاف يصح بغير صوم، ويصح في الليلة الفردة، والعيد وأيام التشريق.
وقال أبو حنيفة: "لا اعتكافَ إلا بصوم"، ثم ناقض، وقال: لو اعتكف يوماً محتوشاً بليلتين، صح اعتكافه في اليوم والليلتين، وإن كانت الليلةُ لا تحتمل الصوم.
وحكى الأئمة قولاً للشافعي في القديم، في اشتراط الصوم في الاعتكاف. ثم قال الأئمة: إذا فرعنا على القول القديم، لم نصحح الاعتكاف في الليل، لا تبعاً، ولا مفرداً.
2362- فإن قلنا: الصومُ شرطُ الاعتكاف، لم نشترط الإتيانَ بصومٍ لأجل الاعتكاف، بل نصحح الاعتكافَ في رمضان، وإن كان صومُه مستحَقاً شرعاً، مقصوداً.
وإن قلنا: الصوم ليس بشرط في الاعتكاف، فلو نذر أن يعتكف صائماً، فهل يلزمه الجمع بين الصوم والاعتكاف، أم يجوز له أن يعتكف بلا صوم، ويصومَ بلا اعتكاف، فعلى وجهين، وربما كان يقول: على قولين:
أحدهما: لا يجب الجمع؛ فإنهما عبادتان، كلُّ واحدة مقصودةٌ في نفسها، فلا يجب الجمع بينهما بالنذر، كما لو قال: لله عليّ أن أعتكف مصلياً؛ فإنه لا يلزمه الجمع بينهما.
والثاني: يلزمه الجمع، لاستواء العبادتين في المقصود؛ إذ الغرض من كل واحد منهما الإمساك، والانكفاف، وإذا تقاربتا، لم يبعد التزام جمعهما، كما لو نذر أن يُقرن بين الحج والعمرة.
وكان شيخي يقول: لو نذر أن يصوم معتكفاً، لم يلزمه الجمع بينهما، وجهاً واحداً. وهذا لا أرى له وجهاً، فلا فرق بين أن ينذر الاعتكاف صائماً، وبين أن ينذر الصوم معتكفاً، فالوجهان جاريان.
قال القفال: إذا قال: لله عليّ صلاةٌ، أقرأ فيها السورة الفلانية، فهل يجب عليه الوفاء بذلك جمعاً، حتى لو قرأ تلك السورة في غير الصلاة المنذورة، وأقام الصلاة دونها، يجوز؟ قال: هذا يخرّج على الخلاف في أنه هل يجب الجمع بين الاعتكاف والصوم بالنذر.
فصل:
قال: "ومن أراد أن يعتكف العشرَ الأواخر... إلى آخره".
2363- الأَوْلى فرض هذا الفصل في النذر. فإذا قال الرجل: لله عليّ أن أعتكف العشر الأواخر من الشهر، فإن ابتدأ الاعتكافَ مع انقضاء العشرين من الشهر، ثم خرج الشهر ناقصاً، فقد خرج عن موجَب نذره؛ فإنه وإن نذر العشرَ في لفظه، فالمراد به افتتاحُ الاعتكاف في الوقت الذي ذكرناه، إلى انقضاء الشهر، ثم الشهر قد يكمل، وقد ينقص، فلا حكمَ لذكر العشرِ مع تعيين الآخر من الشهر.
ولو قال: لله عليّ أن أعتكف عشرةَ أيامٍ، ثم افتتح الاعتكاف، في الوقت الذي ذكرناه من الشهر، ثم نقص الشهر، لزمه اعتكافُ يومٍ آخر؛ فإنه اعتبر بالعشر، وجرَّد القصد إليه، فلابد منه، ووضوح ذلك يغني عن الإطناب فيه.
فصل:
2364- لابد من ذكر الاعتكاف المتطوّع به، والمنذور، وتمييزِ أحد القسمين عن الثاني، على الجملة.
ثم المسائل الموضوعة في الباب تفصِّل ما نجمله فيهما.
فالاعتكاف يقع تطوعاً، ومنذوراً، فأما التطوع، فعماده النيّة، وقد اختلف-أولاً- أئمتنا في أن حضور المسجد من غير مُكث: هل يكون اعتكافاً معتداً به؟ فمنهم من قال: لابد من لُبث، وهو الاعتكاف.
ومنهم من قال: الحضور يقع قُربةً، معدودة من قبيل الاعتكاف، وإن لم يقع لُبث. فهذا بمثابة حضور عرفة، فإنه يُغني ويَكفي في تحصيل الركن، وإن كان قد أُوجب باسم الوقوف، وهو مشعر بالمكث إشعار العكوف.
التفريع:
2365- إن حكمنا بأن الحضور كافٍ، فحضور المسجد اعتكافٌ مع النية، حتى لو نوى من يدخل من بابٍ ويخرج من بابٍ الاعتكافَ، كان ما جاء به قُربةً، من قبيل الاعتكاف.
وإن قلنا: لابد من لُبث، لم يكفِ فيه ما يكفي في الطمأنينة في الركوع؛ فإنا قد أوضحنا أنه يكفي في إقامة الفرض منها، انفصالُ آخرِ حركةِ الهُويّ عن أولِ حركة الرفع عن الركوع، وكأن الغرض تحصيلُ صورة الركوع، مع فصله عما قبله وبعده. وأما هذه القُربة، فشرط تصويرها عند هذا القائل المُكث، فليكن محسوساً.
ولو كان المعتكف متردّداً في أرجاء المسجد، فهو معتكف، وقد يكون زمان تردد من يصح اعتكافه أقلَّ من زمان من يدخل من بابٍ، ويخرج من باب، والبابان متحاذيان.
2366- ثم إذا ثبت أن الاعتكافَ المتطوعَ به يعتمدُ النيةَ، فالنيةُ لا يخلو إما أن تثبت مرسلة، من غير ربط بأمدٍ معلوم، وإما أن تتعلق بمدة معلومة. فإن نوى من دخل المسجدَ الاعتكافَ، بقي معتكفاًً ما بقي في المسجد، طال الزمان، أو قصر.
وكان شيخي يتردد في مثل هذه الصورة، في الصلاة ويقول: إذا نوى المتطوع الصلاةَ مطلقةً، ولم يربط قصدَه بأعدادٍ معلومة من الركعات، فالوجه تصحيحُ ركعةٍ؛ إن اقتصر عليها، أو ركعتين، أو أربع، فأما المزيد-ولم يرد فيه ثبتٌ على الاسترسال- ففيه نظر.
ووجدت لغيره القطعَ بأنه لو نوى الصلاةَ وأراد إقامةَ مائةِ ركعة في تسليمةٍ، فلا بأس. وهذا هو القياس.
ولا ينبغي للمحصل إذا هاب شيئاً أن يتخذ هيبته معوَّل نظره.
فإذا كان الاعتكاف كذلك، فمهما اتفق خروجٌ، انقطعَ، ولابد في العَوْد من تجديد النية، ثم يكون اعتكافاً مبتدأً، والذي مضى اعتكافٌ تام إن كان لُبثٌ، وإن لم يكن، فعلى ما قدمناه من الخلاف.
و لا فرق بين أن يخرج لقضاء الحاجة، أو لغيرها فيما ذكرناه.
فلو ربط النيةَ بأمدٍ، ارتبطت به. قال شيخي: إذا خرج، وعاد، فإن قرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية في المدة المعينة. وإن بعد الزمان، ففي البناء على النية المتقدمة، والاكتفاءِ بها قولان مأخوذان من تفريق الطهارة، وما ذكرناه فيه إذا لم يكن الاعتكافُ منذوراً.
2367- قال الإمام: لو نذر اعتكافَ أيام، ولم يشترط التتابعَ، فدخل المعتكَف، ونوى إقامة الوفاء بالنذر، فإذا خرج، وعاد، وقرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية. وإن بعد، فعلى القولين؛ فإن التتابعَ إذا لم يكن مستحَقاً، قامت النية في إقامة الوفاء بالنذر، مقام النية في التطوع بأصل الاعتكاف، ولا يختلف النوعان بالاستحقاق، والاستحباب، وإنما المتبع النيةُ، وصفة التتابع غيرُ مرعية. ولم يفصل شيخي، لمّا قال: "إذا قرب الزمان، فلا حاجة إلى تجديد النية"، بين أن يكون الخروج لقضاء الحاجة، أو غيرها، وإنما اعتبر قربَ الزمان.
وفي كلام أئمتنا في الطرق: إن الخروج إن كان لقضاء الحاجة، فلا حاجة إلى تجديد النية عند العَوْد، وإن لم يكن لقضاء الحاجة، ففي التجديد عند العود خلافٌ، وإن قرب الزمان؛ لأن الخروج مناقضٌ للاعتكاف، وليس كالتفريق في الزمان اليسير، في الطهارة. وهذا محتملٌ.
2368- وفي بعض التصانيف أن مَنْ كان يعتاد دخولَ المسجد، لإقامة الجماعة، أو غيرها، وكان لا يظهر ما يخالف عادته في الدخول والخروج، فلو نوى كلما دخل الاعتكافَ، لم يكن اعتكافاً عند بعض الأصحاب، لأنه غيرُ مخالفٍ لعادته، في دخلاته وخرجاته. وهذا معدود من سقطات الكتاب؛ فإن المكث، والحضور، هو الذي تردّد الأئمة فيه، فأما إذا حصل المكثُ، وانضمّت النيةُ إليه، فليس يتجه إلا القطعُ بتصحيح الاعتكاف.
وحكى الشيخ أبو بكر في آخر الكتاب: إن من أصحابنا من لم يصحح الاعتكافَ إلا يوماً، أو ما يدنو من يوم، وزعم هذا القائل أن النصف من اليوم، فما دونه، مما يغلب جريان المكث في مثله لعامة الناس، لحاجاتٍ تعنّ لهم في المساجد، ولا يثبت الاعتكاف إلا بمكثٍ يظهر في مثله أن صاحبه معتكف في المسجد، وهذا أبعد.
وما حكيناه من هذا التصنيف، وما قدمنا في ذلك التصنيف، وما حكاه الشيخ واحد. وإنما التردد في الصيغة.
هذا قولينا في التطوع بالاعتكاف.
2369- فأما الواجب، فهو المنذور، ولا يجب الاعتكاف شرعاً، وهذا يخرم ضبطاً لبعض الأصحاب، فيما يلزم بالنذر؛ فإن طائفةً منهم، صاروا إلى أنه لا يُلتزم بالنذر إلا ما يجب بأصل الشرع، والاعتكاف يَرِد على ذلك، ومحاولة الجواب عنه تكلّفٌ.
وسنذكر حقيقة ذلك وسرّه، في كتاب النذور.
ثم الاعتكاف المنذور ينقسم إلى: مقيد بالتتابع، وإلى مضافٍ إلى الزمان المعين، من غير تتابع، وإلى مضافٍ إلى زمان معين، مع التقييد بالتتابع.
فأما المنذور المطلق الذي لم يتقيد بزمانٍ، ولا تتابع، فقد ذكرنا فيه غرضَنَا في فرض الاشتغال بالوفاء به، عقداً ونيةً، وأوضحنا أن التتابعَ إذا لم يكن شرطاً، فالقول يؤول إلى النية في إنشاء الوفاء.
ثم الخروج من المعتكَف والعَوْد إليه يستدعي الكلامَ في الاحتياج إلى تجديد النية.
وقد ذكرنا تفصيلَ ذلك؛ فإذاً هذا خارجٌ عن غرضنا.
والقول وراء ذلك في الأقسام الثلاثة، التي ترجمناها، فنقول:
أمّا النذر المقيّد بالتتابع، من غير إضافةٍ إلى الزمان، فالتتابع مرعيٌّ فيه وفاءً بالنذر، ولا يخفى أن من حكم التتابع إذا انقطع، بما يتضمّن قطعَه كما سنصفه، فأثرُ ذلك بطلان الاعتكاف، فيما مضى.
2370- ونحن نذكر معاقد المذهب فيما يؤثر في التتابع وفاقاً، وفي مواقع الخلاف، وفيما لا يؤثر، ولا نحوي جملةَ الغرض، بل نبيّن ما يظهر، ويجري مجرى تأسيس القواعد، ونحيل غيره عفى مسائل الكتاب؛ فإنها منصوصة.
فالخروج لقضاء الحاجة لا يقطع التتابعَ، وإن لم يجر له تعرّض؛ فإن هذا في حكم المذكور المستثنى بقرينة الحال، ثم إن قرب زمان الخروج والعَوْد، فلا أثر لما جرى. وإن كان منزله بعيداً وتطاول الفصل لذلك، فوجهان.
وكذلك لو كثرت الخرجات لعارضٍ اقتضى الخروج عن عادة الاعتدال، فهو على الوجهين: فمن أئمتنا من راعى جنس الخروج لقضاء الحاجة، ولم يجعله مؤثراً، من غير تعريج على التفاصيل، ومنهم من خصص عدم التأثير بقرب الزمان، وجريان الأمر على عادة الاعتدال.
وما ذكرناه من القرب والبعد، لا توقيف فيه، والرجوع إلى العادة، فكل زمان لا يُخرج المرءَ عن هيئة ملازمة المسجد، فهو قريب، وما يخرجه عن هيئة الملازمة، فهو البعيد الذي ذكرناه.
ولو كان له داران قريبة وبعيدة، ولم تكن البعيدة-بحيث لو لم يملك غيرها- لا يُقطع الاعتكافُ بالخروج إليها في وجهٍ عند فرض الانفراد، فإذا تُصوّرت المسألة بهذه الصورة، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: يتعين الخروج إلى المنزل القريب؛ إذ لا حاجة إلى غيره.
والثاني: لا بأس بالخروج إلى المنزل البعيد، إذا كان على الحد الذي وصفناه في الانفراد.
وظهر اختلاف أصحابنا في الخروج لأجل الوضوء، من غيرِ بولٍ وتغوّط، فذهب الأكثرون إلى أنه يؤثر؛ فإن الوضوء في المسجد ممكن، ولا شك أن هذا في الوضوء الواجب.
وكذلك اختلف أئمتنا في الخروج لأجل الأكل، والأظهر أنه يؤثر. ومتعلَّق من يقول: إنه لا يؤثر أن الأكل في المسجد قد يقدح في المروءة. ونهايةُ الضرورة ليست مرعية.
ولا خلاف أنا لا نشترط غايةَ إرهاق الطبيعة في الحاجة.
2371- ومما يتعلق بما نبغيه في ذلك: أن المرأة إذا اعتكفت، وحاضت، و خرجت عن معتكفها، نظر: فإن كانت نذرت الاعتكاف في زمان متطاول يغلب طريان الحيض عليه، فلا ينقطع التتابع بطريان الحيض؛ فإن ذلك مما لا يتأتى التحرزُ منه.
وكذلك القول في طريان الحيض على الصيام المتتابع في الزمان الممتد.
وإن نذرت الاعتكافَ المتتابعَ، في زمانٍ لا يبعد خلوه عن الحيض، ولكنها قربت افتتاحَ الوفاء من نوبتها، أو اتفق تقدم الحيضة على خلاف عادتها، ففي انقطاع التتابع في الصورتين وجهان:
أحدهما: ينقطع لخروج الحيض عن القبيل الذي يغلب طريانه.
والثاني: لا ينقطع؛ نظراً إلى جنس الحيض وتركاً للاشتغال بتفصيله، ونظائر ذلك كثيرة، وقد ذكرنا في هذا الفصل ما يقرب منه، وهو الخروج لقضاء الحاجة على بعد الزمان بسبب بعد المنزل، أو خروج الطبيعة عن عادة الاعتدال.
وسيأتي نظير هذا في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين، إذا فرض طريان الحيض عليها، على قولينا باشتراط التتابع.
فإن قيل: إن جرى الخلاف في تقدم الحيضة، فما وجهه إذا قصدت تقريب زمان افتتاح الوفاء من عادتها؟ قلنا: تأخّر الحيضةِ ممكن كما يمكن تقدمها، نعم: أصح الوجهين في هذه الصورة الانقطاعُ.
2372- ولو خرج المعتكف لعذر المرض المنتهي إلى مبلغٍ يقتضي الخروجَ عن المعتكَف، ففي انقطاع التتابع قولان، وكذلك إذا أفطر الملابس للصوم المتتابع.
فمن قال: لا ينقطع التتابعُ في الموضعين، فمتعلقه ثبوت الضرورة في الفِطر، والخروج من المعتكَف، ومن قال بالقول الثاني، فمتعلقه أن المرض ليس مما يعرض ويطرأ لا محالة، بخلاف الحيض، وهذا تقرر في موضعه. وإن كان المرض بحيث يؤدي إلى تلويث المسجد لو فرض المكث فيه كاسترخاء الأَسْر، والاستحاضة، فلأئمتنا طريقان: منهم من ألحقه بالحيض، ليقطع بأنه لا يقطع التتابعَ، ومنهم من أقره على القولين، وهو القياس.
فهذه جملٌ نبهنا عليها. وقد ترد مسائل في الكتاب تلتفت على هذه القواعد، وفاقاً وخلافاً، لم نذكرها الآن، حتى ننتهي إليها.
2373- فإذا تبين ما يقطع التتابع وما لا يقطعه، فإنا نذكر وراء ذلك التفصيلَ في أن الأزمنةَ التي تمضي في غير المعتكَف هل يعتد بها من الاعتكاف؟ فنقول: أما الخروج لقضاء الحاجة، فقد ذكرنا: أنه لا يؤثر في قطع التتابع، ونقول الآن: إنه معتدٌّ به حتى إذا اعتكف الرجل أياماً، ولو جمعت أوقات خرجاته، لبلغت يوماًً أو بعض يوم، فلا نقول: يجب تداركها. اتفق الأصحاب عليه، حتى قال طوائف من المحققين: إن الخارج لقضاء الحاجة معتكف، وإن لم يكن في المسجد، واستدل هؤلاء بالاعتداد بهذا الزمان، وكان من الممكن أن لا يعتد بها، وإن كان يُحكم بأن التتابع لا ينقطع.
واحتج هؤلاء أيضاًً بأن الخارج لقضاء حاجته لو جامع، فسد اعتكافه. وكان من الممكن أن يقال: لا يفسد، ويُعدّ الجماع الواقعُ منه بمثابة الجماع الواقع منه ليلاً في الصوم المتتابع.
وقال قائلون: ليس الخارج معتكفاً، ولكن زمان خروجه مستثنىً، وكأن الناذر قال: لله عليّ اعتكاف عشرة أيام، إلا أوقاتَ خروجي لقضاء الحاجة، وأما الجماع، فقد حمله هؤلاء-في كونه مفسداً- على اشتغال الخارج بما لا يتعلق بحاجته، وقد نقول: لو عاد مريضاً، ينقطع تتابعُه. وإن كان خروجه لقضاء الحاجة على ما نفصله، حتى لو فرض الوقاع مع الاشتغال بقضاء الحاجة-على بعدٍ في التصوير- لم يفسد الاعتكاف. وهذا بعيدٌ، والصحيح أنه يفسد الاعتكاف- وإن فرعنا على أنه غير معتكف؛ فإنه عظيمُ الوقع في الشريعة، وهو وإن قرب زمانه أظهر أثراً من عيادة مريض.
وقد ذكر أئمتنا أن الخارج لقضاء حاجته إن عاد مريضاً في طريقه، فلم يحتج إلى الازورار، فلا بأس بذلك، ولو ازورّ، وعاد، انقطع التتابع، وإن قرب الزمان على وجهٍ كان يحتمل مثلُه في الأناة في المشي؛ فإن هذا يقدح في القصد المجرّد إلى قضاء الحاجة.
وذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة لو أكل لقماً، فلا بأس إذا لم يجرِ أكلٌ مقصودٌ، ولم يظهر طول زمان معتبرٍ، والجماع في مثل هذا الوقت مؤثر بلا خلاف، ومِنْ تَكلُّفِ تصويرهِ، فرضُ جريانه مع الاشتغال بقضاء الحاجة.
هذا كلام الأئمة في الخروج لقضاء الحاجة.
فأما الخروج لعذر الحيض، أو عذر المرض، على أحد القولين، فغير معتد به، ولابد من استدراكه، بخلاف زمان الخروج لقضاء الحاجة. وإن استوى جميع ذلك في أنها لا تقطع التتابع. وهذا ظاهرٌ في الحيض، والمرض، وإنما الغموض في الاعتداد بزمان الخروج لقضاء الحاجة.
ولو خرج والاعتكاف متتابع، لزيارةٍ، أو عيادةٍ، أو غرضٍ آخرَ صحيحٍ، من غير حاجة، فلا شك في انقطاع التتابع.
2374- ولو استثنى الخروج لأغراضٍ، فقال: لا أخرج عن معتكفي إلا لكذا، وكذا، فالأصح الذي قطع به معظم الأئمة صحةُ الاستثناء، والمصيرُ إلى أن التتابع لا ينقطع بالخروج بالأغراض المستثناة.
وحكى صاحب التقريب والإمامُ قولاً للشافعي في القديم: أن الاستثناء باطلٌ، ويجب الوفاء بالتتابع، وهذا مهجور لا تفريع عليه.
فإذا خرج لما استثناه، وحكمنا بأنه لا ينقطع تتابعُ اعتكافه، فيعود ويبني، ولا يُعتد بزمان خروجه، كزمان المرض والحيض، بخلاف زمان الخروج لقضاء الحاجة؛ فإنه إنما استثنى ما ذكره؛ حتى لا يؤثر في قطع التتابع، ولم يذكره حتى لا يحط من زمان اعتكافه.
2375- وإذ نجز هذا، نعود بعده إلى تفصيل القول في تجديد النية، فنقول: أما إذا خرج لقضاء الحاجة، وعاد على ما ينبغي، فلا يحتاج إلى تجديد، وإن عاد بعد زمانِ المرض، أو زمان الغرض المستثنى، فقد ذكرنا أن التتابع لا ينقطع، وهل يحتاج إلى تجديد النية؟ ذكر الشيخ أبو علي وجهين:
أحدهما: أنه لا يجب التجديد؛ فإن التتابع منتظمٌ والمتخلّلُ غيرُ معتد به. وفيه وجهٌ آخر: أنه لابد من تجديد النية. وذكره شيخي.
وهذا الخلاف مبنيٌّ على نظير له في الطهارة، فإذا فرق المتوضئ وضؤَه، وقلنا: التفريق لا يبطل الوضوء، فإذا عاد إلى البناء على بقية الطهارة، ففي اشتراط تجديد النية وجهان مشهوران.
وكل ما ذكرناه من كلام في قسمٍ واحد من الأقسام الثلاثة، وهو إذا نذر اعتكافاً متتابعاً، ولم يعين زماناً.
2376- فأما إذا نذر اعتكافاً وأضافه إلى زمانٍ حكمه التواصل، ولكنه لم يتعرض للتتابع، مثل أن يقول: لله عليّ أن أعتكف العشرَ الأواخر، من هذا الشهر، فاعتكافه-إذا وفَّى به- يقع متتابعاً، ولكن ذلك التتابع لتواصل الأوقات، لا لكونه مقصوداً في نفسه، ويظهر أثر ذلك بفَرْضِ الكلام في القضاء فلو لم يف بإيقاع الاعتكاف في ذلك الوقت المعين، فلا شك أنا نُلزمه القضاءَ، ثم لا نوجب التتابعَ، كما لا نوجب التتابعَ في قضاء صيامٍ عن شهر رمضان.
ولو افتتح الوفاءَ، ثم خرج عن معتكفه لقضاء الحاجة، لم يؤثر خروجُه، ولم يلزمه استدراك زمان الخروج للحاجة، وإذا عاد، لم يلزمه تجديد النية، ولو خرج لا لحاجة-من غير استثناء-، فزمان خروجه لا يعتد به، ولا يبطل ما تقدم من الاعتكاف؛ فإن التتابع ليس مرعياً في هذا النوع، قصداً إليه، والاعتكاف في كل لحظة عبادةٌ على حيالها، فصار تخلل ما ذكرناه بمثابة تخلل الإفطار في أيام رمضان.
وكذلك لو فرض طريانُ مفسدٍ، وهو الجماع المفسد، فلا يفسد ما مضى.
ثم كما لا يفسد ما مضى، لا يخرج باقي الزمان عن التهيؤ لقبول الاعتكاف الواجب.
وإذا كان كذلك، فإذا فرض عودُه في الصورة التي انتهينا إليها، فالمذهب أنه لابد من تجديد النية؛ فإن ما مضى عبادةٌ منفصلة، عما يستقبله الآن، وقد تخلل المفسدُ، أو الزمن الذي لا يعتد به. ولو رُددنا إلى القياس، لما اكتفينا بنية واحدةٍ، في أوقات، كما لا يكتفى بنية واحدة في أول شهر رمضان، ولكن تخصيص كل لحظة بنية عسرٌ، فلأجل ذلك انبسطت نيةٌ واحدة على الأوقات المتواصلة، فإذا تخلل ما يقطع التواصل، وجب الرجوعُ إلى الأصل المنقاس الذي مهدناه.
وذكر الشيخ أبو علي في هذه الصورة وجهاً آخر، عن بعض الأصحاب: أن النية الأولى شاملةٌ كافيةٌ، وقد نوى اعتكافَ العشر، فلئن طرأ ما لا يعتد به، فحكم النية باقٍ في البقية.
2377- ومما يتصل بهذا القسم أنه لو عين الناذر أوقاتاً لاعتكافٍ متواصلة، واستثنى أغراضاً، فإذا خرج لها، على حسب استثنائه، لم يجب عليه تداركها في هذا القسم؛ من جهة أن معنى استثنائه لها يرجع إلى حط أوقاتها عن الأوقات المعيّنة، فكأنه قال: لله تعالى عليَّ أن أعتكف هذه الأوقات، إلا أوقاتَ خروجي، وليس كما إذا نذر اعتكاف أيامٍ شائعةٍ متتابعة من غير تعيين زمان، ثم افتتح الوفاء، وقد كان استثنى الخروجَ لأغراضٍ، فإذا خرج لها، لم يعتد بزمان خروجه، وإن لم ينقطع التتابع؛ لأن استثناءه في القسم الأول محمول على أن لا ينقطع التتابع، وهو محمول في القسم الذي نحن فيه على الحط عن الزمان. وهذا واضح لا شك فيه.
ولو حاضت المرأة، و كانت عينت زماناً في النذر، من غير تعرضٍ للتتابع، أو مرضَ الناذرُ كذلك، فخرج، فزمان الحيض والخروج، لا يعتد به، ويجب تلافيه، وليس كالأوقات التي تمضي في الأغراض المستثناة، والسبب فيه أن استثناءه مُصرِّح باقتضاء حطّ الأوقات، فأما زمان الحيض والمرض، فليس يتعلق به لفظٌ يتضمن الحطَّ، وقد يستوعب الزمانُ جملةَ الوقتِ المعيّن، فصار زمان العوارض في حكم ترك الملتزَم، وإن كان الترك بسبب العوارض مسوَّغاَّ.
ومن نذر صوم يوم، ثم تركه من غير عذرٍ، قضاه، ولو تركه لعذر، قضاه.
نعم، الخروجُ لقضاء الحاجة مستثنىً عن هذا القانون، في كل مسلكٍ، ولا يجب تداركُه، ولهذا ذهب ذاهبون إلى أن الخارج في ذلك الوقت معتكفٌ.
وقد نجز غرضُنا في هذا القسم.
2378- فأما القسم الثالث: وهو إذا جمع بين تعيين الزمان، وبين التعرض للتتابع، فقال: لله عليّ أن أعتكف العشرَ الأخير، من هذا الشهر، متتابعاً، فهل يثبت التتابع مقصوداً؟ حتى يقال: لو طرأ مفسد يبطل ما مضى؟ فعلى وجهين: أحدهما أنه يثبت حكم التتابع؛ فإنه تعرّض له، وجرّد القصد إليه، فلا منافاة بينه، وبين تعيين الزمان.
والوجه الثاني- أن التتابع يُلغَى، والغلبة لما عينه من الوقت، وذكر التتابع محمول على تواصل الزمان. ثم ما قدمناه من الأحكام، المتعلقة بالتتابع، وتعيين الوقت لا تخفى إعادته هاهنا.
فهذا منتهى غرضنا في جمل عقد المذهب، في قواعد الاعتكاف.
2379- وقد قال صاحب التقريب: إذا وقع التفريع على الأصح في تصحيح الاستثناء عن التتابع، فلو قال الناذر: لله عليّ أن أتصدق بعشرة دراهم، إلا أن أحتاج قبل التَّصدُّق، فإذا احتاج، فهل يسقط واجب النذر إعمالاً للاستثناء؟ قال: المسألة محتملة. وكذلك لو فُرض في نذر الصوم والصلاة وغيرهما من القرب الملتزمة بالنذر. وطرد هذا فيه، إذا قال: لله عليّ شيء من ذلك، إلا أن يبدوَ لي. زعم أن المسألة محتملة؛ إذا بدا له. ولم يُشر في مجاري كلامه إلى إفساد النذر، لمكان الشرط.
نعم ذكر شيخي أنه لو استثنى في هذه القربات ما يتعلق به غرض، كالافتقار في نذر الصدقة، وكما يناظر هذا في كل قُربة، فالاحتمال لائح.
فأما إذا قال: إلا أن يبدو لي، فالأوجه إبطال هذا الاستثناء؛ فإنه غير متعلق بغرض. وقد يتجه عندنا إفساد النذر، في هذه الصورة؛ فإنه إذا علق بِخيَرة نفسه، فهو مضادٌّ لمعنى الإلتزام، وتعويل الوفاء على التصميم إذاً، والمصمم على التطوع يُمضيه.
2380- وألحق العراقيون شيئاً بهذا الفصل يدانيه من وجهٍ، و الغرض منه غيرُه، فقالوا: إذا كان نَذَر صوماً، ثم شرع فيه، وفاء بالنذر، وشرط أن يتحلل عنه، إن عنّ عارض عيّنه، مما يعد عَرَضاً مؤثراً، وإن لم يكن في عينه مبيحاً للخروج، كالمرض التام المؤثر في إثبات رخصة الإفطار، قالوا ينعقد الصوم، ويثبت التحلل عندنا، على شرط القضاء؛ لأجل الاستثناء.
ولو شرط التحلل عن الحج لعارض المرض، وهو-كيف قدر- لا يبيح التحلّلَ عندنا لعينه، فهل يثبت التحلل بالشرط؟ فعلى قولين، سيأتي ذكرهما في المناسك،-إن شاء الله تعالى- وسبب الفرق أن الحج مباينٌ لسائر العبادات، في مزيد التأكيد.
هذا ترتيبهم.
وكان شيخي يقلب هذا الأمرَ، ويجعل التحلّلَ في الحج وفاءً بالشرط- أولى بالثبوت؛ لخبرٍ فيه ما سنرويه في موضعه؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهلِّي، واشترطي أن محلي حيث حبستني» ويقول: لو فرض شرطٌ مثلُه في الصوم المنذور، فلا ينقدح إلا بطلان الشرط، أو بطلان النية بالشرط، حتى لا ينعقد الصوم كذلك.
2381- ومن تمام القول في الاستثناء في الاعتكاف أنا إذا صححناه، لم يزد على مقتضاه، حتى لو استثنى عيادة المرضى، لم يخرج لأمرٍ هو أهم منها. وقال الأصحاب: لو ذكر عيادةَ زيدٍ، لم يخرج لعيادة عمرو. ولو قال: أخرج لكل شُغل يعنّ لي، فهو صحيح، فليخرج إن أراد، لكل ما يُعد شغلاً، ديناً ودنيا، على شرط أن يكون مستباحاً في الشرع. وليس من الأشغال الخروجُ للنظر إلى رُفقةٍ، أو مجتمعٍ، فإن هذا يعد في العرف هَزلاً، غير محصل. وقد يمكن أن يضبط الشغل بمقصود المسافر في مقصد سفره، على ما تفصّل في موضعه.
ولو قال: أخرج مهما أردتُ، فهذا ضد التتابع، فكأنه التزم التتابعَ، ثم نفاه، وفيه وجهان:
أحدهما: أن التتابع يَبْطل التزامُه.
والثاني: أنه يلزمه، ويبطل الاستثناء.
وقد يلتفت هذا على شرائط فاسدة، تُقرَن بالوقوف والحُبُس، فإنا في مسلكٍ لنا نُبطل الشرطَ وننفذ الوقف، وفي مسلكٍ آخر نُبطل الوقفَ، لاقترانه بالشرط المفسد.
2382- هذا تمام البيان في ذلك.
فصل:
قال: "واعتكافه في المسجد الجامع أحب إليّ... إلى آخره".
2383- هذا الفصل يستدعي تقديمَ القول في تعيين المساجد في الاعتكاف.
فنقول: أولاً- إذا عين مسجداً في نذرِ صلاةٍ، فقال: لله عليّ أن أصلي في هذا المسجد، فإن كان غيرَ المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد القدس، لم يتعين المسجد للصلاة، وله أن يقيمها في غير ذلك المسجد، ولا حرج عليه في إقامتها في غير المساجد.
ولو عين مسجد القدس، ومسجد المدينة، ففي وجوب الوفاء قولان، فإن عين المسجدَ الحرامَ للصلاة في سياق نذرها، ففي المسألة طريقان: قال قائلون: يجب الوفاء، قولاً واحداً. وخرّج آخرون المسألة على قولين في المسجدين: مسجد المدينة، ومسجد إيليا.
وتفصيل ذلك والتفريع عليه يُستقصى في كتاب النذور-إن شاء الله تعالى-.
فأما إذا عين مسجداً غير المساجد الثلاثة في سياق نذر الاعتكاف، ففي تعيين المسجد وجهان:
أحدهما: أنه لا يتعين، كما لا يتعين للصلاة.
والثاني: أنه يتعين، وهو ظاهر النص، والسبب فيه أن الاعتكاف في الحقيقة انكفافٌ عن الانتشار في سائر الأماكن والتقلب فيها، كما أن الصوم انكفاف عن أشياء زمناً مخصوصاً، فنسبة الاعتكاف إلى المكان، كنسبة الصوم إلى الزمان.
ولو عين الناذر يوماً بعينه لنذر صومه، تعين اليوم، على المذهب الأصح، فليتعيّن المسجد بالتعيين أيضاًً، ثم إذا تعين ما سوى المساجد الثلاثة، فتعيّنها أولى. وإن لم يتعين ما سواها، ففي تعيينها القولان المذكوران في الصلاة، وينبغي أن يكون صَغْو الفقيه إلى كون التعيين أليق بالاعتكاف منه بالصلاة.
وهذا يقتضي ترتيباً في محل الخلاف: فإذا ثبت ذلك، قلنا بعده: لو عين مسجداً لنذره، فليلتزمه، وإن أقام الاعتكاف في غيره، لم يُعتدّ به. وإن قلنا إنه لا يتعين، فلو خاض في الاعتكاف في مسجدٍ كان عينه، ثم خرج لقضاء حاجةٍ، وعاد إلى مسجدٍ آخرَ، على مثل مسافة ذلك المسجد، أو أقرب منه ثم اعتاد ذلك مثلاً في كل خرجة، فقد اختلف أئمتنا: فقال بعضهم: يجوز، وهو القياس؛ فإنه آتٍ بالاعتكاف، ولا تعيُّنَ، والخرجات لقضاء الحاجات مقتصدةٌ على الضبط المقدّم. وجَبُن بعض الأصحاب، فمنع هذا، صائراً إلى أن الخوض في الاعتكاف في مسجدٍ يوجب إتمامه فيه، وإنما الكلام فيما قبل الشروع. وهذا ساقطٌ، لا أصل له، فينبغي ألا يعتد به.
2384- عاد بنا الكلامُ إلى ما ذكره الشافعي، إذ قال: "الاعتكاف في المسجد الجامع أحب إليّ"، وإنما قال ذلك، لكثرة الجماعة في المسجد الجامع، وقد يزيد أمد اعتكافه المتتابع على أسبوع، فإذا كان في الجامع، لم يحتج إلى الخروج عن معتكَفه. وقد بنى الشافعي قولَه هذا على تعيّن المسجد؛ فإنه عوّل في تعويل الاستحباب، على أنه لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه للجمعة، وإذا قلنا: لا يتعين المسجدُ، فلا يمتنع فرضُ خروجٍ لقضاء الحاجة مع العود إلى الجامع، كما مهدنا في المقدمة صورَ الوفاق والخلاف.
ثم يتصل بهذا الفصل أنه إن عيّن غير الجامع، وزاد أمد اعتكافه على الأسبوع، فيلزمه الخروج إلى الجمعة، فإذا عيّنَّا المسجدَ بالنذر، ثم أوجبنا الخروج، فهل ينقطع التتابع؟ فيه اختلاف قولٍ وله نظائر، سأذكرها مجموعةً في فصلٍ، بعد ذلك.
والذي ننجزه هاهنا: أن نذره لا ينتهض عذراً في جواز ترك الجمعة؛ فإنه هو الذي أدخل على نفسه هذا التضييق، والعسر، فليتأمل الناظر ذلك.
وإن لم يعين المسجدَ، فلو خرج لحاجةٍ، ثم عاد على قُربٍ، من الزمان والمكان إلى الجامع، فالمذهب أن تتابعه لا ينقطع، ولو خرج إلى الجامع من غير توسط الخروج لقضاء الحاجة، فهذا خروجٌ إلى واجب، ففيه الخلاف المقدّم الذي رمزنا إليه، ووعدنا تقريره مع نظائره.
فصل:
قال: "ولا بأس أن يسأل عن المريض... إلى آخره "
2385- وقد ذكرنا أن الحائض في الاعتكاف المتتابع، إذا لم تستثن شيئاً، لم تخرج إلا لقضاء الحاجة، وألحقنا بها في التفصيل ما مضى.
فلو خرج لعيادة مريض قصداً، بطل تتابعه، وبطل ببطلانه اعتكافُه، ولو رأى مريضاً على طريقه، في ممره إلى قضاء حاجته، فعاده، ولم يُطل، فلا بأس؛ فإن هذا لا يعد قصداً إلى العيادة، ولو مال عن الطريق، فعاد مريضاًً يبطل التتابع؛ فإنه تجديد قصدٍ، ولو سأل عن المريض غيرَه، ممن يصادفه، على طريقه فلا بأس، وإذا لم تؤثر عيادته مريضاً على ممرّه، فلا شك أن السؤال عنه على الممر لا يؤثر، ولو دخل منزلَه، فجلس جلسة حتى يُهيَّأ له موضعُ الحاجة، احتُمل ذلك، وعُدّ اشتغالاً بقضاء الحاجة، فلو أنه في هذه الحالة تعاطى لقماً، فأكلها، فلا بأس، ولو قضى حاجته، ثم خرج وأكل لقماً، ولم يأت بأكلٍ مقصود في نفسه، فهذا القدر لا يؤثر أيضاًً-وإن وقع بعد الفراغ- على الأصح من المذهب، وفيه شيء على بعد.
وقد ذكرت في الانتقال إلى المنزل للوضوء من غير قضاء حاجةِ البلوى خلافاً، ولا خلاف أن من قضى حاجته واستنجى، لم نكلفه نقلَ الوضوء إلى المسجد، فإن هذا يقع تابعاً، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن المريض، إلا مارّاً في اعتكافه، لا يعرج على شيء".
وقد أجمع أصحابنا على أن الوقفة القريبة لا تؤثر إذا لم تصر العيادة مقصودة، ولو ازورّ مسرعاً، وعاد مريضاً، وعاد في زمن يحتمل مثله، بين الرَّيْت والعجل، فالذي جاء به يقطع التتابع لمكان القَصْد، والعيادة على الطريق يعتبر فيها طول الزمان وقصره.
ثم الذي إليه الرجوع أن يزيد الأمدُ زيادةً تزيد على وصف الاقتصاد، بحيث تزيد على الاتئاد، بحيث يُحسّ به المنتظر المراقب.
وما ذكرناه في الأكل جريانٌ على الأصح في أنه لو خرج للأكل، لم يجز.
فصل:
قال: "ولا بأس أن يشتري، ويبيعَ... إلى آخره".
2386- إذا اشتغل في معتكفه بالبيع والشراء، لم يبطل اعتكافُه، وكذلك إذا كان يَخيط، أو يحترف بحرفة أخرى، ولا فرق بين أن يقع ذلك، وهو صنعةُ الرجل يتبلغ بها، وبين ألا تكون صنعتَه.
وعن مالك: أنه إذا كان يقيم صنعةً يكتسب بها في المسجد، لم يصح اعتكافه، وهذا باطلٌ عندنا؛ فإن انحصاره في المسجد هو الاعتكاف، إذا اقترنت به النية.
وفي بعض التصانيف إضافة مذهب مالك إلى الشافعي على البت، وهذا غلطٌ صريح، ولو جاز أن نعول على ما ذكره مالك، لامتنع الاعتكافُ رأساً، فإن صاحبه اتخذ المسجد بيتَه، ومسكنه، فلا حاصل لهذا، لا نقلاً، ولا تعليلاً.
2387- ثم قال الشافعي: ولا يُفسده سباب، ولا جدال، والأمر على ما قال.
لا يَفسدُ الاعتكافُ بهذا، كما لا يفسد الصوم بمثله.
قال الصيدلاني: ولكن يذهبُ أجرُه بذلك، وتفوته الفضيلة، وليس الكلامُ في الأجر والفضيلة من شأن الفقهاء، فلا حاصل لما ذكره، والثواب غَيْب لا مطَّلع عليه.
وإن ورد خبر في أن الغِيبة تُحبط الأجرَ، فهو تهديد مؤوَّل، وقد يرد مثله في الترغيب.
ثم ذكر الشافعي في أثناء الكلام: أن صاحب الاعتكاف المتتابع لا يخرج لشهود الجِنازة، فإن أدخلت الجنازة رحبةَ المسجد، وهي من المسجد، فلا كلام، وإن خرج لقضاء حاجته، فصادف جنازةً على الطريق، فصلى عليها، فلا بأس؛ فإن الزمان قريب.
فليتخذ الفقيه هذا معتبرَه، وليثق بما ذكرناه في الوقوف للعيادة، ولا يزْوَرُّ للصلاة على الجنازة.
فصل:
قال: "ولا بأس إذا كان مؤذِّئاً أن يصعد المئذنة، فإن كانت خارجةً... إلى آخره".
2388- إذا شرع المؤذن في اعتكافٍ، متتابعٍ، ثم كان يصعد المئذنة، ويؤذن، فإن كانت المئذنة من المسجد، فلا إشكال في دوام الاعتكاف؛ فإن المئذنة بمثابةِ بيتٍ في المسجد.
وإن كانت المئذنة خارجةً عن سمت المسجد، متصلةً به، وكان بابُها لافظاً في المسجد نفسِه، فقد قطع الأئمة بأن التتابع لا ينقطع بالخروج إليها، والرقيّ فيها.
2389- وإذا كانت لا تُعد من المسجد، ولو نذر الاعتكافَ فيها، لم يصح؛ فإنّ حريم المسجد، لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريمِ المكث على الجُنب، والمرورِ على الحائض، ولكن النص قاطع بما ذكرناه. ولم أعثر بعد على خلافٍ للأصحاب فيه، مع الاحتمال الظاهر في القياس؛ فإن الخارج إلى هذه المئذنة خارجٌ إلى بقعةٍ غيرِ صالحةٍ للاعتكاف.
ولو كان بابُ المئذنة إلى الشارع، أو إلى الحريم، وكان المؤذّن يخرج إلى موضع الباب، ويرقى، ففي انقطاع تتابعه وجهان مشهوران:
أحدهما: الانقطاع وقياسه بيّن، والثاني-أنه لا ينقطع لمعنيين:
أحدهما: كون المئذنة على الحريم، والحريمُ من حقوق المسجد، والثاني- أن خرجاته للأذان مستثنىً في ظاهر حاله، كخرجات الرجل لقضاء حاجته.
وهذا في المؤذن الراتب، فأما غيره إذا خرج، فإن قلنا: ينقطع تتابع المؤذنِ الراتب، فلأن ينقطع تتابع هذا أولى، وإلا، فوجهان، على المعنيين، فمن اعتمد استثناء المذهب لخرجاته حكم ببطلان تتابع من ليس راتباً، ومن عوّل على الحريم، لم يُبطل اعتكافَ غير الراتب أيضاًً.
فهذا غاية النقل، مع التنبيه على الاحتمال، والإشكال.
2390- والقول الحاصل: أن الباب إذا كان لافظاً في المسجد، وانضم إليه الرقيّ للأذان من الراتب، فلا خلاف من طريق النقل، وفي الاحتمال ما ذكرناه.
فإن كان في الحريم، والباب خارجٌ، فالخروج للأذان من الراتب على وجهين، ومن غير الراتب للأذان على خلافٍ مرتبٍ، والخروج من الراتب وغيرِه لغير الأذان-والباب خارج- يقطع التتابعَ.
والرقيّ في المئذنة اللافظ بابها في المسجد، لغير الأذان لا نقل فيه عندنا، والظاهر الانقطاع؛ فإن المئذنة، وإن كانت لافظةَ الباب في المسجد، فإنها ليست معدودةً من المسجد؛ إذ لا يجوز الاعتكاف فيها.
فهذا تمام المراد في ذلك.
2391- وفي النفس شيء، يتعلق تمام البيان فيه، بذكر معنى الحريم، وسنجمع قولاً بالغاً في كتاب الصلح-إن شاء الله تعالى- وفيه نبيّن حريمَ المسجد، والمِلْك.
ولا شك أن المؤذن لو دخل حجرةً مُهيَّأة للسكنى بابها لافظ في المسجد، يبطل اعتكافه، وإنما قيل ما قيل في المئذنة، لأنها مبنيةٌ لإقامة شعار المسجد.
2392- ثم قال الشافعي: "وأكره الأذان بالصلاة للولاة". فمن أئمتنا من قال: ليس هذا من مسائل الاعتكاف، بل هو كلام معترض فيها، والمراد أنا نكره للمؤذن أن يأتيَ بابَ الوالي وغيره، فيؤذنَ على بابه، أو يأتي ببعض كلمات الأذان، كالحيعلتين؛ فإن الأذان الراتبَ دعوةٌ عامة، فليكتفِ بها آحاد الناس.
ولو حضر المنبِّه أبوابَ الأعيان ونادى بالصلاة، ولم يذكر شيئاً من كلم الأذان، فقد اختلف أئمتنا في ذلك: فمنهم من قال: إنه لا يكره، وهو اختيار القفال، ويشهد له: أن بلالاً كان يأتي بابَ حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرب قيامُ الصلاة، وينادي: "الصلاةَ الصلاةَ".
والشاهد في كراهية الأذان، ما روي: "أن المؤذن أتى بابَ عمر، بعد ما أذن للعامة، فأذن له، فأنكر عليه، وقال: أما يكفيني أذان العامة".
فهذا ما يتعلق بالكراهية في ذلك، نفياً وإثباتاً.
وحمل بعضُ الأصحاب هذا على مسائل الاعتكاف، وزعم أن المراد أن المؤذن لا يخرج من معتكفه ليقف على الأبواب، وينادي، ولو فعل ذلك، انقطع تتابع اعتكافه، وهذا يخالف خروجَه للأذان على حريم المسجد، كما سبق التفصيل فيه.
فصل:
قال: "وإن كانت عليه شهادةٌ... إلى آخره".
2393- نذكر في هذا الفصل خرجاتٍ، ضروريةٍ، طارئةٍ، على الاعتكاف المتتابع. وأصل جميعها أن المرض إذا ثقل، وعسر احتمالُه في المسجد، فإذا خرج المعتكف لأجله، ففي انقطاع التتابع القولان المقدَّمان.
ويقع في مرتبته ما إذا أخرج الإنسان عن معتكفه قَهْراً، والجامع بينهما أن كل واحد منهما عارضٌ ضروري، لا يحكم عليه بغلبة الوقوع، قبل اتفاقه، فالمعتكف غير منتسب فيه إلى تفريطٍ سابق.
ومما يتعين التنبه له أن الصائم لو أُوجر الطعامَ، لم يفطر وفاقاً، ولو أكره حتى طعم، ففي الفطر قولان.
والخروج من المعتكَف، لا فرق فيه بين أن يُكرَه حتى يخرج بنفسه، وبين أن يُحمل، بل نفسُ مفارقةِ المسجد، إذا تحقق، نيط به من الحكم ما يقتضيه الحال.
والذي أراه أن المعتكِف، لو خرج من معتكَفه ناسياً، فيظهر الحكمُ بانقطاع تتابعه، بناء على هذا الأصل، الذي مهدناه، والغاية فيه أن يُلحق النسيانُ بالمعاذير، حتى يتردد القولُ، وليس كالأكل على حكم النسيان في الصوم.
2394- ولو تحمل الرجل شهادة، ثم اعتكف اعتكافاً متتابعاً، وطُلب منه أداء الشهادة؛ فإن لم يتعين عليه أداؤها، فليس له أن يخرج، وإن خرج، انقطع تتابعه.
وإن تعين عليه الخروجُ-وتفصيله في كتاب الشهادة- ففي انقطاع تتابعه قولان، مرتبان على القولين فيه إذا خرج لمرض أو أخرجه مخرج. وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة أن التحملَ المتقدم على الاعتكاف تسبُّبٌ منه إلى الخروج من المعتكف، ولئن لم تلحقه التهمة في تحمله، فقد كان متمكناً من الاستثناء، فإذا أغفله، وضح من هذه الجهة تقصيرُه.
وقد تردد بعضُ المحققين في أن استئناءَ إخراج السلطان إياه من المسجد، هل ينفع على قولينا: إنه يقطع التتابع؟ فقال بعضهم: ينفع. وقال آخرون: لا أثر للاستثناء فيما يتعلق بالغير، وإنما يؤثر الاستثناء المرء، وهذا لطيفٌ. وهو تفريع على إعمال الاستثناء.
2395- ولو التزم الرجل حداً، ثم شرع في اعتكافٍ متتابعٍ، فأخرجه السلطان، لإقامة الحد عليه، فقد ذكر الشيخ أبو علي قولين، في انقطاع التتابع، ولابد من ترتيبها على تقدم تحمل الشهادة، وهذه الصورة الأخيرة أولى بانقطاع التتابع؛ من جهة الانتساب إلى المعصية، الموجبة للحد، والحكمُ ببقاء التتابع، من فن التخفيف، وهو غير لائقٍ بالمتسبب على حكم المعصية.
2396- ولو اعتكفت المرأةُ اعتكافاً منذوراً، متتابعاً، فمات عنها زوجُها، في أثناء الاعتكاف، أو طلقها، فالغرض من هذا ينبني على تصوير الإذن فيه وعدمه من الزوج.
فإن نذرت بإذنه، ودخلت المعتكَف، بإذنه، لم يملك الزوج إخراجها، وإن وُجد أحدهما بإذنه، دون الثاني، ففيه خلافٌ، وموضع استقصائه كتاب النذور والأيمان.
وإن كان الزوج يملك إخراجها من المعتكَف، لو دام النكاح، فمات عنها، أو طلقها، فيلزمها الخروج عن المعتكَف، والعَود إلى مسكن النكاح، للاعتداد، فإذا خرجت، ففي انقطاع التتابع الخلافُ المقدَّم. وهذا يلتحق بالمرتبة الأخيرة، إن عصت بدخول المعتكَف، وإن لم تعصِ، ولكنا كنا جوزنا للزوج الرجوعَ عن الإذن، على أحد الوجهين فيه إذا جرى أحد السببين بإذنه، والآخر بغير إذنه، فهذا يلتحق بمرتبةِ تحمّل الشهادة.
ولو كان الزوج لا يملك إخراجها لو دام النكاح، فإذا طلقها، أو مات عنها، فهل لها أن تُتم اعتكافها للإذن السابق؟ فعلى وجهين، سنذكر أصلهما في كتاب العِدد.
فإن قلنا: لا تخرج، فلو خرجت، بطل اعتكافها. وإن قلنا: يلزمها الخروجُ بطريان العدة، ففي انقطاع التتابع قولان، كما قدّمنا ذكرهما، قبيل هذا في أمر العدة.
فهذا بيان ابتناء هذه الخرجات الواجبة، على الخروج لأجل المرض مع ترتيب المراتب.
فصل:
2397- نجمع في هذا الفصل مفسداتِ الاعتكاف، في قَرَنٍ: فمنها الجماع، فكل جماعٍ يُفسد الصومَ مفسدٌ للاعتكاف، منافٍ له.
2398- فأما المباشرةُ دون الجماع، فقد اضطربت النصوص فيها، فقال في كتاب الصيام: لا يباشر المعتكف، فإن فعل، فسد اعتكافه، وقال في موضع آخر:
لا يفسد الاعتكاف إلا بالوطء الذي يوجب الحد.
واضطربت الأئمة في ترتيب المذهب. ونحن نفرض مباشرةً وهي التقاء البشرتين، من غير إنزالٍ، ثم نفرضها مع الإنزال.
فإن لم يتفق الإنزال، فمن أصحابنا من خرّج قولين في أنها هل تُفسد الاعتكاف؟ أحدهما- لا تفسده، كما لا تفسد الصومَ.
والثاني: تفسده، لظاهر قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. والغالب على الظن أن المراد المباشرةُ، دون الإنزال، والجماع، فإنهما لا يقعان، ولا يخفى على العامة اجتنابُهما، فتخصيص المباشرة بالنهي عنها في الاعتكاف، يشعر بالمباشرةِ العريّه عن الإنزال، فقد عُدّت خصّيصة بمحظورات الاعتكاف، ثم هي محظورة في الحج، وإن لم تكن مفسدةً له.
فأما المباشرة إذا اتصل بها الإنزال، فالذي يليق بالتحقيق القطعُ بأنها تُفسدُ الاعتكاف، كما تُفسد الصوم، وهي بإفساد الاعتكاف أولى، فإنا قد نُحوَجُ إلى تكلّفٍ في تعليل إفساد الصوم بالإنزال، فإنه ليس جِماعاً، ولا دخول داخلٍ إلى الجوف، وتعليل إفساد الإنزال للاعتكاف لائحٌ، من جهة أن المنزل مُجنب، ويحرم على الجنب المكثُ في المسجد، والاعتكاف مكثٌ في المسجد، ويستحيل أن يكون المكثُ محرماً منهيّاً عنه نهياً مقصوداً، ثم يقع قُربة، مأموراً بها، وليس ذلك من قبيل الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن النهي لا يتجرد إلى الصلاة قصداً، كما قررناه في فن الأصول.
وذكر بعض أصحابنا قولين في المباشرة مع الإنزال، وزعموا أن الإفساد يختص بالجماع، وهذا مشهورٌ في الحكاية، و لا اتجاه له أصلاً عندنا، لما نبهنا عليه من خروج الجنب، عن أن يكون أهلاً للكَوْن في المسجد.
ثم من خصص الإفساد بالجماع، فيظهر عندنا أنه يَعتبر فيه الجماعَ المفسدَ للصوم، من غير تعريجٍ على إيجاب الكفارة. وفي نص الشافعي ما يدل على اعتبار الجماع التام؛ فإنه قال، فيما نص عليه، في بعض المواضع: "ولا يَفسُد اعتكافه إلا بوطءٍ يوجب الحدَّ"، ومقتضى هذا أن إتيان البهيمة إذا لم يوجب الحد، لم يتعلق به إفساد الاعتكاف، والظاهر اعتبارُ فساد الاعتكاف، بفساد الصوم، وقد قدمنا أن الصوم يَفسُد بكل جماع، يوجب الغُسل.
وإذا قلنا: المباشرةُ تفسد الاعتكاف من غير إنزال، فالضبط فيه: أن كل ما يوجب من هذا النوع الفديةَ على المحرم، يُفسد الاعتكاف. وضبط البابين جميعاً: ما ينقض الوضوء نفياً وإثباتاً، وفاقاً وخلافاً.
2399- ولم يختلف العلماء في أن الحيض ينافي الاعتكافَ؛ من جهة أن الحائض ليست من أهل المسجد أصلاً.
2400- فأما الجنابة، فينبغي أن يتأنَّى الناظرُ فيها: أما القياس، فيقتضي لا محالةَ الحكمَ بمنافاتها الاعتكاف، ولكن قد نقل بعضُ الأئمة أن المباشرة إذا اتصلت بالإنزال، لم يفسد الاعتكاف، ومن ضرورة الإنزال الإجناب، فالوجه عندنا في تخريج ما قيل، على طريق أن نقول: للجنب حضور المسجد مجتازاً، بخلاف الحائض، وقد ذكرنا أن من أصحابنا من جعل حضور المسجد اعتكافاً، من غير مُكث، فإن جرينا عليه، وفرضنا إنزالاً، واشتغالاً على أثره بالاغتسال من عينٍ في المسجد، فالجنابة لا تحرّم هذا الكَوْن، واللحظة الواحدة قُربةٌ، فلا يخرج الكَوْن فيها عن وضع الاعتكاف، فأما فرض المُكث في المسجد، مع الجنابة، فلم أرَ محققاً يستجيز الحكمَ بكونه اعتكافاً صحيحاً.
على أنا فيما ذكرناه على تكلُّفٍ فإن عبور الجنب في حكم المسوَّغَات، ولا يجوز أن يقع في رتبة القُربات.
والذي يجب القطع به أن من اعتمد الإنزال وإن تأتى منه الاغتسالُ في المسجد، فيحرم منه، ما جاء به. وللاحتمال فيه مجال.
ولا وصول إلى ما تكلفناه على صفوه؛ فإن الاشتغال بالاغتسال ليس من الخروج، ويرد عليه أن دخول المسجد جائزٌ للجنب، على قصد الإطراق.
فليقف الناظر عند معاصات الكلام.
2401- واستتمام هذا بما نصفه قائلين: إذا أجنب الرجل في المسجد، وكان بالقرب منه ماءٌ يتيسر منه الانغماس فيه، على قربٍ من الزمان، ولو حاول الانفصالَ من المسجد، وقطْعَ عرصته الفيحاء، لزاد زمان القطع على زمان الغُسل، فالذي ذهب إليه المحققون أنه يتعين عليه إيثارُ الخروج، ولا نظر إلى الزمان، طال أو قصر.
وأبعد بعض الأصحاب، فقال: يجوز الاغتسال على الصورة التي ذكرناها.
وهذا ساقط، من وجهين:
أحدهما: أن الاغتسال على حالٍ حطٌّ للجنابة، واتخاذ المسجد محلاً لمثل هذا غضٌّ من أُبَّهَتِه، وأيضاًً، فإباحة العبور ليست معقولةَ المعنى، وإنما كان يتطرق المعنى إلى ذلك لو خُصّ جواز العبور بالاضطرار، فإذ ذاك كنا نقدر الحركاتِ على قصد الانفصال في حكم الخروج من الأرض المغصوبة، وليس الأمر كذلك؛ فإن للجنب دخول المسجد على قصد الاطّراق، وإن وجد مسلكاً غيرَه، فالتعويل على ظاهر لفظ الكتاب العزيز. فكل ما لا يعد من قبيل العبور، بل يعد تعريجاً على أمرٍ، فهو نقيض العبور، والاشتغال بالاغتسال من ذلك.
ولم أر أحداً من الأصحاب يوجب إيثار الاغتسال نظراً إلى قرب الزمان.
و حظُّ الاعتكاف من هذا الفصل، أنه قد ينقدح للناظر توجيه الاشتغال بالاغتسال، في حق الجنب المعتكف؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج، وهذا ساقط؛ فإن الخروجَ إذا أمر به، فهو في معنى الخروج لقضاء الحاجة.
والذي يتنخلّ عندنا من تنزيل هذا القول الذي شُهر، أن يقال: الإنزال إذا جرى من غير قصد، فالخروج من المسجد محمول على الخروج لقضاء الحاجة، ثم نفس الخروج مع مباينته للمسجد غيرُ مؤثر، فليكن الخروج لأجل الإنزال بهذه المثابة.
وقد طال الكلام بعض الطول وسببه ما في هذا القول من الإشكال.
2402- ومما نلحقه بمفسدات الاعتكاف شيئان، اختلف النص فيهما، ونحن ننقل النصَّين في موضعهما، ونذكر ترتيب المذهب في كل واحدٍ.
نص الشافعي على أن الردَّة لا تفسد الاعتكافَ، ونص على أن السكر يفسد الاعتكاف.
فأما الردة، فلأصحابنا فيها ثلاث طرق، قال بعضهم: هي مفسدةٌ للاعتكاف؛ فإنها محبطةٌ للأعمال المقترنة بها، فلا يتصور اعتداد بعبادةٍ تساوقها الردة. وهذا القائل يقول: نصُّ الشافعي محمول على اعتكافٍ غيرِ متتابع طرأت الردةُ في خلله، وقوله: "لا تُفسدُ الاعتكاف " معناه لا تُفسد ما مضى، ردّاً على أبي حنيفة، حيث قال: الردة تحبط سوابق الأعمال، وإن اتفقت الموافاة على الإسلام.
وفي هذا التأويل بعضُ البعد؛ فإن الشافعي قال في طارئ الردة: إنها لا تُفسد، ويبني إذا عاد إلى الإسلام، وهذا مشعرٌ بفرض الأمر في اعتكافٍ متتابع، بفرض انقطاعه وانتظامه، فهذه طريقة.
ومن أصحابنا مَنْ قال: الردةُ لا تفسد الاعتكافَ أصلاً؛ جرياً على النّص، وسنشير إلى ما قيل في توجيهه.
ومن أصحابنا من قال: إذا قصر الزمان، وعاد على قربٍ، انتظم الاعتكافُ المتتابع، وإن طال الزمان، انقطع التتابع. وسنبين حقيقة هذا الوجه أيضاًً.
فهذا نقل مقالات الأصحاب، لم نوجه منها إلا القولَ الأول الظاهر.
فأما السكر، فظاهر النص فيه، أنه يناقض ويُفسد، ولأصحابنا ثلاثُ طرق: منهم من قطع بأنه لا يفسد، كالنوم، واستمرار الغفلة.
ومنهم من قطع بالإفساد، قَلّ زمان السكر أو كثر.
ومنهم من قال: إن قلّ الزمانُ، فلا مبالاة به، وإن كثر، انقطع التتابع.
2403- فإذاً في الردة والسكر في كل واحد منهما ثلاثُ طرق، غير أن القياسَ يخالف النصَّ في الموضعين، فالقياس من الطرق الثلاث في الردة، الفسادُ، والمنافاة، والقياس من الطرق الثلاث في السكر، أن لا منافاة، ولا فساد.
وتكلف بعض أصحابنا، فذكر ما هو طريقة رابعة، والتزم الجريان على النصين، وقال: الردة لا تنافي؛ فإن المرتد من أهل المسجد، وخاصية الاعتكاف اختصاص بالمسجد. وأما السكران فليس من أهل المسجد، فإنه لا يبقى فيه.
وهذا تكلّف، لا أصل له.
ثم من قال: الردة لا تُفسد الاعتكاف، فليت شعري ماذا يقول فيه إذا أنشأ الاعتكاف مرتدّاً؟ فإن قال: يصح اعتكافه، فهو أمر عظيم، وإن سلّم الفسادَ عند اقتران الردة، فالفرق بين المقارن والطارئ عسِر، ولم يختلف أصحابنا في أن من ارتد في أثناء الوضوء، وغسل عضواً من أعضائه، في زمن ردته، لم يعتد بما أتى به في زمن الردة، والمكث الذي يقارن الردةَ الطارئة، كان يعتد به لولا الردة، فكيف الاعتداد به مع كَوْن الردة.
فإن روجعنا في الصحيح من ذلك، فالوجه الحكمُ بكون الردة مفسدةً، واحتمال بُعدٍ في التأويل للنص.
وأما السُّكْر، فإذا طال، فليس يبعد احتمالٌ في فساد الاعتكاف. على أن القياس أن لا يفسد مع تقدم النية. فإذاً يحمل النص على الإخراج من المسجد لإقامة الحدّ، وتكون فائدة التصوير أنه إذا كان منتسباً إلى التزام الحد، كان إخراجه على القهر، بمثابة خروجه من معتكفَه اختياراً.
وأما من قال بالفصل بين الزمان اليسير والكثير في الردة، فليس له وجه، به مبالاة.
ولكن إن لم يكن من المصير إلى ظاهر النص بُدّ، فقد ينتظم الاستنباط من قول الأصحاب في هذا فصل وهو أن من خرج عن معتكفه مختاراً من غير عذر، انقطع تتابعه، وإن قرب الزمان. وإن بقي في معتكفه وطرأ مفسد، كالردة-إذا اعتقدناها مفسدة- فإذا قرب الزمان، فالأصحاب مترددون في انقطاع التتابع، كما نبهنا عليه، ولا وجه أصلاً للاعتداد بالزمان الذي كان مرتداً فيه.
فهذا منتهى الحِيَل بعد النقل، في تنزيل كل قول، على الممكن فيه.
وقد نجز تمام المراد في جميع مفسدات الاعتكاف.
فصل:
قال: "وإن جعل على نفسه اعتكاف شهر ولم يقل متتابعاً، أحببته متتابعاً... إلى آخره".
2404- من نذر اعتكاف شهر أو اعتكاف أيامٍ، ولم يتعرض للتتابع، ذِكراً، وعقداً، ولم يلفظ به، ولم يَنْوه، فلا يلزمه رعايةُ التتابع.
وكذلك القول في نذر صوم شهر، وصوم أيامٍ.
وقال: أبو حنيفة في الصوم ما قلناه، وذهب إلى أن التتابع يجب في الشهر والأيام في الاعتكاف.
وحكى صاحب التقريب عن ابن سريج، أنه صار إلى مذهب أبي حنيفة في الاعتكاف، وهذا بعيد، ولست أدري ماذا يقول ابن سريج في الصوم؟ أيفصل بينه وبين الاعتكاف، كمذهب أبي حنيفة، أو يطرد مذهبه في البابين؟ ولا تفريع على هذا، ولا عودَ.
2405- ولو قيد نذره بالتتابع، لزم. ولو نوى التتابع بقلبه، فمضمون الطرق أنه يلزم؛ فإن مطلق اللفظ يحتمله، وهذا كتنزيل النيات مع الكنايات منزلة الصريح.
فإذا قال: لله عليّ أن أعتكف يوماًً، والتفريع على ما هو المذهب، من أن التتابع لا يلزم، من غير لفظٍ، أو عقدٍ، فإذا قال: أعتكف يوماً، وأراد أن يعتكف نصفي يومين، أو أثلاث ثلاثة أيام، ففي إجزاء ذلك وجهان مشهوران:
أحدهما: يجزىء؛ فإن التتابع لم يقع له تعرض، فكانت الساعات بالإضافة إلى اليوم، كالأيام المتفرقة بالإضافة إلى الشهر. والوجه الثاني- لا يجزئه؛ فإن الأيام المتفرقةَ، تسمى عشرةَ أيام، وتسمى عند تقدير الضم، والتلفيق، شهراً. والساعات المتفرقة، لا تسمى يوماً، فاسم اليوم إذاً ينطلق على ساعات متواصلةٍ من طلوع فجر إلى غروب شمس ذلك اليوم.
التفريع على الوجهين:
2406- إن قلنا: يجزئه تفريق الساعات، فينبغي ألاّ يلزمه إلا ساعات أقصر الأيام؛ فإنه لو اعتكف في أقصر الأيام، كفاه.
وإن قلنا: لا يجزيه تفريقُ ساعاتِ اليوم، فلو بدا الاعتكافَ من وقت الزوال، فلما غربت الشمس، خرج ثم عاد مع الفجر، فاعتكف إلى مثل ذلك الزمان الذي أنشأ الاعتكافَ فيه في نفسه، فلا يجزئه، على منع التفريق. وإن لم يخرج من معتكفه ليلاً، حتى انتهى إلى زمان ابتداء أمسه، فالذي ذهب إليه معظمُ الأصحاب جواز ذلك، وإن فرعنا على منع التفريق؛ لأن الأوقات لها حكم التواصل، لمّا لم يخرج من معتكفه.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي وجهاً آخر، اختاره لنفسه، وهو أن ذلك لا يجزيه، فإنه لم يأت بيومٍ متواصلِ الساعات من الطلوع إلى الغروب، واعتكاف تلك الليلةِ، لا مبالاة به، وهو غير محسوب، سواء مكث في المسجد، أو خرج منه فتخلله يجب أن يكون مُفرِّقاً قاطعاً، لما نبغيه، من تواصل ساعات اليوم الواحد.
وهذا الذي ذكره منقاسٌ متّجه.
وعُرض عليه نص الشافعي في تجويز ذلك، مع مصيره إلى أن تفريق الساعات غيرُ مجزىء، فقال: نصه محمول على ما إذا قال: لله عليّ أن أعتكف يوماًً من وقتي هذا، فإذا قال ذلك، فلا وجه إلا المصير، إلى وقتٍ مثله من الغد.
2407- ومن تمام البيان شيء يدور في النفس، وهو أن الأصحاب قالوا تفريعاً على جواز التفريق: يكفيه ساعات أقصر النهار وتفرقها.
ثم يتجه في النظر أن يعتبر جزءُ كلِّ يوم منسوباً إليه، حتى إن فرّق الساعات على أيامٍ هي أقصر الأيام في السنين، فالأمر كذلك.
وإن كان يعتكف في أيامٍ متباينة في الطول والقصر، فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إليه؛ إن كان ثلثاً: فقد خرج عن ثلث ما عليه، وهكذا، إلى النجاز، والذي يحقق ذلك، أنه لو نذَر اعتكاف يومٍ، ثم اعتكف تسعَ ساعاتٍ، ونصفاً من أطول الأيام، فلا يكون خارجاً عما عليه قطعاً؛ فدل على أن النظر إلى اليوم الذي يوقع الاعتكافَ فيه. فيتجه وينقدح جوابٌ عن هذا، بأن يقال: إذا كان يواصلُ، فليأت بيومٍ كاملٍ.
ومن نذر اعتكافَ يوم، فاعتكف أطول الأيام، فكل ما جاء به فرضٌ. ولو اعتكف في أقصر النهار، فالذي جاء به كافٍ.
2408- ومما يتعلق بهذا الفصل القولُ في أن الليالي إذا لم يَتعرض لها الناذرُ، وذكر في نذره الأيام، فهل تندرج تحت مطلق تسمية الأيام؟ قال أصحابنا: إذا نذر اعتكافَ يومٍ، لم يلزمه ضمُّ الليلةِ إليه، وفاقاً، إلا أن ينويها، ثم اتفقوا على أنه إذا نواها، يلزم الاعتكافُ فيها، وإن لم يجر لها ذكرٌ، والنية المجردة لا تلزم.
والوجه فيه أن اليومَ قد يطلق، والمراد به اليوم بليلته. هذا سائغٌ على الجملة، وإن لم يكن ظاهراً، فعملت النيةُ لذلك.
ولو نذر اعتكافَ شهرٍ، فلا خلاف أنه يلزمه الليالي مع الأيام؛ فإن اسم الشهر يشمل الجميع.
وإن قال: اعتكاف ثلاثة أيام؛ فصاعداً، ففي استحقاق الاعتكاف بالليالي على عدة الأيام وجهان مشهوران في الطرق:
أحدهما: أنه يجب الاعتكاف بالليالي على عِدة الأيام.
والثاني: لا يجب ما لم ينوها.
وقطع أصحابنا المراوزة بأن اليومين في التفصيل، كاليوم الواحد. فإذا أُطلقا، لم يجب الاعتكاف إلا في اليومين. وجعل العراقيون، في بعض طرقهم اليومين كالأيام الثلاثة فصاعداً.
والقول في هذا مبهم عندنا بعدُ.
2409- أما اليومُ، فلا شك أنه لا يستدعي الليلةَ بوجهٍ إلاّ على بُعدٍ، كما تقدم. وما قيل في الشهر، لا شك فيه. وأما الكلامُ في اليومين، فإن لم يثبت فيهما استحقاقُ التتابع، فلا وجه إلا القطعُ بأنه لو اعتكف في يومين متفرقين، ولم يعتكف ليلةً، فقد خرج عما عليه.
فأما إذا نذر اعتكاف يومين، ونوى التتابعَ، أو ذكره، فقد قال العراقيون: ينبغي أن يبتدئ الاعتكافَ مع الفجر في يومٍ، أو قُبَيله، استظهاراً، ثم يعتكف إذا غربت الشمس، ويدومُ في معتكفه إلى غروب الشمس من اليوم الثاني. قالوا: لو خرج من معتكفه ليلاً، كان ذلك قطعاً للتتابع.
وكان شيخي يقطع بأن الخروج من المعتكف ليلاً، مع العود مقترناً بالفجر من اليوم الثاني، لا يقطع التتابع؛ فإن الاعتكاف إذا لم يكن مستحقاً ليلاً، فلا معنى لإلزام الناذر لزوم المعتكَف في الليل. والليلُ إذا لم يلزم اعتكافه، فتخلله كتخلل الليالي، بين الصوم المتتابع، وما ذكره منقاسٌ حسن.
2410- ومما ينكشف به الإبهام: أن الأصحاب ذكروا وجهين، في الأيام إذا ذكرت: أن الليالي هل يُستَحق الاعتكافُ فيها؟ وهذا إنما أخذه، مَن أخذه، من ظن الناس أن الأيام إذا أطلقت في التواريخ، على صيغة الجمع، أريد بها الأيام بلياليها، وهذا غير منتظم؛ فإن الإنسان إذا قال: أقمتُ عند فلانٍ أياماًً، وكان يفارقه بالليالي، فما قاله صدقٌ، منتظمٌ، لا تلبيس فيه. نعم إنما يتوقع طلبُ توَلُّج الليل إذا جرى في الكلام إشعارٌ بالتتابع، بحيث يُفهم تواصلُ أزمانِ الإقامة. وإذا كان كذلك، فتتخلَّلُ ليالٍ.
ولكن إذا افتتح الإقامة مع أول نهارٍ، وخرج مع غروب الشمس يومَ الثالث، فهو مقيمٌ ثلاثة أيام متواصلة، ويكفي في الوفاء بالتواصل ليلتان، فلا وجه لاشتراط الليالي على عدد الأيام، وكذلك يكفي في العشر تسعُ ليالٍ، على نحو ما صورناه؛ فينقص عدد الليالي، التي بها تواصل الأيام، عن عدد الأيام المذكورة بواحدة. هذا لابد منه، إن كان الرجوع إلى التواريخ.
ئم إذا قال: أعتكف ثلاثةَ أيامٍ، فقد حمل بعض الأصحاب ذلك على التواصل، واعتقد الظهور فيه، وموجَبُ التواصل تولّجُ الليالي، وعلى هذا يظهر تخريجُ ابنِ سريج في أن إطلاق نذرِ اعتكاف الأيام يقتضي التتابعَ.
والأظهر أنه لا يلزم التواصل، لتردد الكلام فيه، وإذا تردد، ولم يكن نصَّاً صريحاً، ولا منوياً، فالإلزام مع التردد، محال.
وإن صور مصور ما يقتضي التواصل، فهو مضطرٌّ إلى تصوير قرينةِ حالٍ في أمرٍ يذكره، ثم تخيُّلُ التواصل-إذا نُزّل الكلامُ عليه- ممكنٌ في اليومين، إمكانه في الثلاثة، فصاعداً. ويعود في الأيام-إذا لم نوجب الاعتكافَ في لياليها- أنه لو نذر التتابعَ فيها، فهل يجوز الخروج عن المعتكف في الليالي؟ فيه من خلاف المراوزة والعراقيين، ما ذكرناه في اليومين.
فصل:
2411- المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها، وهو معتزَلٌ في البيت، مهيأٌ للصلاة، وليس مسجداً على الحقيقة، فالمنصوص عليه في الجديد أن ذلك ليس باعتكاف؛ فإن الاعتكاف مخصوص بالمساجد، وليس ذلك الموضع مسجداً، فلا تتعلق به أحكام المساجد.
ونصَّ الشافعي في القديم على أنها لو اعتكفت في ذلك الموضع، أجزأها؛ فإن التحرز أحرى بها، فأفضل بقاعها قَعْر بيتها. ثم في القديم خصص ما قاله بمسجد البيت، فإن لم يكن لهذا القول مستند، من خبرٍ أو أثر، فلا متعلَّق له في المعنى. ثم ذكر أئمتنا في الرجل إذا اعتكف في مسجد بيته قولين، مرتّبين على المرأة واعتكافه أولى بالفساد، بل، لا وجهَ لصحته أصلاً.
فصل:
قال: "إذا قال: لله عليّ أن أعتكف اليومَ الذي يقدَم فيه فلان... إلى آخره".
2412- أما إذا قال لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدَم فيه فلان، فقدِم نصفَ النهار، فقد فات الصوم في هذا اليوم، وفي وجوب قضاء يومٍ قولان، سنذكرهما في النذور-إن شاء الله تعالى- وهما مأخوذان من أصلٍ، وهو أنا هل نتبين بقدومه في اليوم أن الصوم كان مستحقاً من أوله؟ أم ننظر إلى ما يستعقبه القدوم، ولا نلتفت إلى سابقٍ في تقدير الوجوب؟ فإن بنينا الأمرَ على التبيُّن، فيلزمه قضاء يوم، وإن نظرنا إلى ما يستعقبه القدوم، فصومُ يومٍ بعد القدوم محال، فكان كما لو قدِم ليلاً. وليس من غرضنا تفصيل هذا.
2413- ولكن. لو قال: لله عليّ أن أعتكف يوم يقدَم فلان، فقدِم نصفَ النهار، فيجب على الناذر اعتكافُ بقية النهار وفاقاً، وهل يجب عليه اعتكافُ نصفِ يومٍ لينضم إلى ما جاء به، فيكمل يوماًً؟ هذا خارج على القولين في وجوب القضاء في الصوم، فإن أوجبنا القضاء ثَمَّ، أوجبنا هاهنا تكملةَ البقيةِ من يوم آخر، وإن لم نوجب القضاء ثَمَّ، اكتفينا بالاعتكاف في بقية النهار، الذي قدم فيه.
ثم إن المزني قال: وأحب أن يستأنف اعتكافَ يومٍ، حتى يكون اعتكافه متصلاً. وقد قال أئمتنا: هذا غلط؛ فإن الاعتدادَ بما جاء به لابد منه، وإذا اعتُدَّ به، فلا معنى لأمره باعتكافِ يومٍ كاملٍ، بسبب ما قدّمه من لفظه، لا على الاستحباب، ولا على الإيجاب.
وذكر شيخي في دروسٍ: أن من أصحابنا من لم يوجب الاعتكافَ، في بقية النهار أيضاًً؛ تخريجاً على أن النهار لا يتبعض، بتقدير تفريق الساعات، وهو قد ذكرَ اليوم، واعتكافُ يومٍ بعد قدومه غيرُ ممكن، إلاّ على نعت التقطيع.
والفكر لا نهاية له. ولكن الفقيه يقتصر منه على مسلك الحق، ويطّرح ما عداه.
2414- ثم قال الشافعي: "ولا بأس أن يلبس المعتكف والمعتكفة " ولا خفاء بما ذكره، وغرضه أن الاعتكاف لا يحرم ما يحرمه الإحرام، وعلى هذا لا بأس أن ينكح، ويُنكح.
2415- قال: "ولا بأس أن توضع المائدة في المسجد، ولا بأس بغسل الأيدي في الطسوس " توقيةً للمسجد من البلل؛ فعساه يمنع مصلياً.
2416- قال: "والمرأة والعبد، والمسافر يعتكفون " والأمر على ما قال، فالاعتكاف يصح من كل من تصح منه النية، وفي بعض التصانيف ذكر وجهين في أن المكاتَب هل يعتكف؛ وهذا خُرق، وخروج عن الحد، ولا خلاف أنه لو سكن في بيته، ولم يكتسب اليومَ واليومين، فلا معترض عليه، قبل مَحِل النجم.
فرع:
2417- تعيين الزمان للاعتكاف، كتعيين الزمان للصوم، والأصح أن الزمان يتعين للصوم في نذره، حتى لا يجوز التقديمُ عليه، ولا التأخير.
وفي المسألة وجه بعيدٌ-نذكره في النذور- أن الزمان لا يتعين للصوم، كما لا يتعين لنذر الصلاة والصدقة، وذلك الوجه يجري في الاعتكاف، ولا تفريع عليه.
وما ذكرناه من نذر الأيام مفرّعٌ على الأصح؛ فإنه لو نذر اعتكافَ يومٍ، لم يجزه إقامةُ ساعات الليل، مقامَ ساعات النهار. وكذلك لو عيّن الليلَ، لم يجزئه ساعاتُ النهار.
فرع:
2418- إذا كان نذرَ اعتكافَ أيامٍ، ومات، ولم يف بنذره، مع القدرة، فقد ذكر شيخي قولين:
أحدهما: أنا نقابل كلَّ يوم بمدٍّ من طعام، نخرجه من تركته، كدأبنا في الصوم.
والقول الثاني- أنه يَعتكف عنه وليُّه. وذكر أن القولين منصوصان للشافعي.
وهذا عندي مشكلٌ من طريق الاحتمال، فإنَّا تبعنا الأثرَ في مقابلة صوم يوم بمُدٍّ، وليس ينقدح قياس الاعتكاف في ذلك على الصوم، ثم اعتكاف لحظةٍ عبادةٌ تامة، ثم ليت شعري ماذا يقول في اليوم مع الليلة؟ وقد ذكر رحمه الله صريحاً أن اليوم بليلةٍ يقابِلان مُدّاً، وإذا كان يقول ذلك، فما القول في اليوم الفرد؟ وهو على الجملة مختبطٌ.
وأقصى ما علينا التنبيهُ على الاحتمال، مع الوفاء بما بلغنا من طريق النقل. والله أعلم بالصواب.